إعلان

الأربعاء، 30 مارس 2016

شعر - ابن الفارض

هلْ نارُ ليلى بَدت ليلاً بِذي سَلَمِ،
أمْ بارقٌ لاحَ في الزَّوراءِ فالعلمِ
أرواحَ نعمانَ هلاَّ نسمة ٌ سحراً
وماءَ وجرة َ هلاَّ نهلة ٌ بفمِ
يا سائقَ الظَّعنِ يطوي البيدَ معتسفاً
طيَّ السّجِلّ، بذاتِ الشّيحِ من إضَمِ
ناشَدْتُكَ اللَّهَ إنْ جُزْتَ العَقيقَ ضُحًى
فاقْرَ السَّلامَ عليهِمْ، غيرَ مُحْتَشِمِ
وقُلْ تَرَكْت صَريعاً، في دِيارِكُمُ،
حيّاً كميِّتٍ يعيرُ السُّقمَ للسُّقمِ
فَمِنْ فُؤادي لَهيبٌ نابَ عنْ قَبَسٍ،
ومنْ جفوني دمعٌ فاضَ كالدِّيمِ
وهذهِ سنَّة ُ العشَّاقِ ما علقوا
بِشادِنٍ، فَخَلا عُضْوٌ منَ الألَمِ
يالائماً لامَني في حبِّهمْ سفهاً
كُفَّ المَلامَ، فلو أحبَبْتَ لمْ تَلُمِ
وحُرْمَة ِ الوَصْلِ، والوِدِّالعتيقِ، وبالـ
العهدِ الوثيقِ وما قدْ كانَ في القِدمِ
ما حلتُ عنهمْ بسلوانٍ ولابدلٍ
ليسَ التَّبدُّلُ والسُّلوانُ منْ شيمي
ردُّوا الرُّقادَ لجفني علَّ طيفكمُ
بمضجعي زائرٌ في غفلة ِ الحلمِ
آهاً لأيّامنا بالخَيْفِ، لَو بَقِيَتْ
عشراً وآهاً عليها كيفَ لمْ تدمِ
هيهاتَ واأسفي لو كانَ ينفعني
أوْ كانَ يجدى على ما فات واندمي
عني إليكمْ ظباءَ المنحنى كرماً
عَهِدْتُ طَرْفيَ لم يَنْظُرْ لِغَيرِهِمِ
طوعاً لقاضٍ أتى في حُكمِهِ عَجَباً،
أفتى بسفكِ دمي في الحلِّ والحرمِ
أصَمَّ لم يَسمَعِ الشّكوَى ، وأبكمَ لم
يُحرْ جواباً وعنْ حالِ المشوقِ عَمِي
.
#ابن_الفارض

شعر - مطران

داءٌ ألَمَّ فَخِلْتُ فِيهِ شَفَائِي
مِنْ صَبْوَتِي فَتَضَاعَفَتْ بُرَحَائِي
يَا لَلضَّعِيفَيْنِ اسْتَبَدَّا بِي وَمَا
فِي الظُّلْمِ مِثْلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ
قَلْبٌ أَذَابَتْهُ الصَّبَابَةُ وَالْجَوَى
وَغِلاَلَةٌ رَثَّتْ مِنِ الأَدْوَاءِ
وَالرُّوْحُ بيْنَهُمَا نَسِيمُ تَنَهُّدٍ
فِي حَالَيَ التَّصْوِيبِ وَ الصُّعَدَاءِ
وَالعَقْلُ كَالمِصْبَاحِ يَغْشَى نُورَهُ
كَدَرِي وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائِي
هَذَا الَّذِي أَبْقَيْتِهِ يَا مُنْيَتِي
مِنْ أَضْلُعِي وَحَشَاشَتِي وَذَكَائِي
عُمْرَيْنِ فِيكِ أَضَعْتُ لَوْ أَنْصَفْتِنِي
لَمْ يَجْدُرَا بِتَأَسُّفِي وَبُكَائِي
عُمْرَ الْفَتَى الْفَانِي وَعُمْرَ مُخَلَّدٍ
بِبيَانِهِ لَوْلاَكِ في الأَحْيَاءِ
فغَدَوْتَ لَمْ أَنْعَمْ كَذِي جَهْلٍ وَلَمْ
أغْنَمْ كَذِي عَقْلٍ ضَمَانَ بَقَاءِ
يَا كَوْكَباً مَنْ يَهْتَدِي بِضِيائِهِ
يَهْدِيهِ طَالِعُ ضِلَّةٍ وَرِيَاءِ
يا مَوْرِداً يَسْقِي الوُرُودَ سَرَابُهُ
ظَمَأً إِلى أَنْ يَهْلِكُوا بِظَمَاءِ
يَا زَهْرَةً تُحْيِي رَوَاعِيَ حُسْنِهَا
وَتُمِيتُ نَاشِقَهَا بِلاَ إِرْعَاءِ
هَذا عِتَابُكِ غَيْرَ أَنِّيَ مُخْطِيءٌ
أَيُرَامُ سَعْدٌ فِي هَوَى حَسْنَاءِ
حَاشَاكِ بَلْ كُتِبَ الشَّقَاءُ عَلَى الْورَى
وَالْحُبُّ لَمْ يَبْرَحْ أَحَبَّ شَقَاءِ
نِعْمَ الضَّلاَلَةُ حَيْثُ تُؤْنِسُ مُقْلَتِي
أَنْوَارُ تِلْكَ الطَّلْعَةِ الزَّهْرَاءِ
نِعْمَ الشَّفَاءُ إِذَا رَوِيْتُ بِرشْفَةٍ
مَكْذُوبَةٍ مِنْ وَهْمِ ذَاكَ المَاء
نِعْمَ الْحَيَاةُ إذا قضَيْتُ بِنَشْقَةٍ
مِنْ طِيبِ تِلكَ الرَّوْضَةِ الغَنَّاءِ
إِنِّي أَقَمْتُ عَلى التَّعِلَّةِ بِالمُنَى
فِي غُرْبَةٍ قَالوا تَكُونُ دَوَائِي
إِنْ يَشْفِ هَذَا الْجِسْمَ طِيبُ هَوَائِهَا
أَيُلَطَّف النِّيرَانَ طِيبُ هَوَاءِ
أَوْ يُمْسِكِ الْحَوْبَاءَ حُسْنُ مُقَامَهَا
هَلْ مَسْكَةٌ فِي البُعْدِ للْحَوْبَاءِ
عَبَثٌ طَوَافِي فِي الْبِلاَدِ وَعِلَّةٌ
فِي عِلَّةٍ مَنْفَايَ لاِسْتشْفَاءِ
مُتَفَرِّدٌ بِصَبَابَتِي مُتَفَرِّد
بِكَآبَتِي مُتَفَرِّدٌ بَعَنَائِي
.
خليل مطران -

شعر

شاكٍ إِلى البَحْرِ اضْطَرابَ خَوَاطِرِي
فَيُجِيبُنِي بِرِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ
ثاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمَّ وَلَيْتَ لِي
قَلْباً كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ
يَنْتَابُهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ مَكَارِهِي
وَيَفُتُّهَا كَالسُّقْمِ فِي أَعْضَائِي
وَالبَحْرُ خَفَّاقُ الْجَوَانِبِ ضَائِقٌ
كَمَداً كصَدْرِي سَاعَةَ الإِمْسَاءِ
تَغْشَى الْبَريَّةَ كُدْرَةٌ وَكَأَنَّهَا
صَعِدَتْ إِلى عَيْنَيَّ مِنْ أَحْشَائي
وَالأُفْقُ مُعْتَكِرٌ قَرِيحٌ جَفْنُهُ
يُغْضِي عَلَى الْغَمَرَاتِ وَالأَقْذَاءِ
.
خليل مطران

الخميس، 24 مارس 2016

فن الحب

“إن الخطوة الأولى التي يجب أن تتخذ حيال الأمر هو إدراك ان الحب فن، أعني بذلك أنه يجب تعلمه كما نتعلم أي فن آخر، سواء كان الموسيقى او الرسم، النجارة، او حتى فن الهندسة والطب. ما هي الخطوات الأساسية لتعلم أي فن؟ بإمكاننا تقسيمها ببساطة لقسمين، الأول هو المعرفة الكاملة للنظرية ثم يليها التطبيق العملي. إذا أردت تعلم الطب مثلاً عليك أولاً معرفة الجسد البشري، ثم العديد من الأمراض التي تصيبه. الآن حتى بعدما امتلكت كل هذه المعرفة النظرية لم أصبح على الإطلاق طبيباً ممتلكاً لفن الطب، الحالة الوحيدة التى أكون فيها كذلك هي بعد أن أمارس الكثير من التطبيق العملي حتى تختلط في النهاية خبرتي العملية بالنظرية لتصبح في قالب واحد داخلي يشبه الحدس، أي تصبح المعرفة حينها جزءاً مني، من طبيعتي. لكن حتى مع ذلك هناك عامل آخر مهم هنا لإتقان فن الحب، وهو أن يكون إتقانه في محل الإهتمام والعناية بالنسبة للشخص، ينطبق هذا على الفن بشكلٍ عام، بداية من الموسيقى وإنتهاءاً بالحب. هنا وربما هنا فقط تكمن الإجابة عن سبب عدم إجادة الكثيرين في المجتمع لهذا الفن! رغم إحتياجهم الداخلي العميق له، ومحاولاتهم الدائمة. يرجع هذا إلى تقديمهم للكثير من أهداف الحياة وفنونها على الحب وتفضيلها عليه: النجاح، الوضع الإجتماعي، المال، القوة. تلك الأهداف التي تمتص قوانا في تحقيقها و النجاح فيها، الأهداف التي ليس من بينها على الإطلاق محاولة تعلم فن الحب.”
- إريك فروم 
#فن_الحب

الأربعاء، 23 مارس 2016

ذكريات ما قبل الثورة


مارس 2000

كنت في الثامنة من عمري وقتها، وكان مبارك قد أتم في حكمه أربع فترات رئاسية بالتمام والكمال، بينما بدأ يظهر نجم جمال مبارك علي إستحياء وبدأت تظهر معه شائعات كثيرة حول أحقيته بالرئاسة لخلافة والده.
علي الجانب الآخر كان الإخوان المسلمين هم الجهة الأكثر شعبية في الشارع والطرف الوحيد المضاد للحزب الوطني الحاكم، صحيح أنه كان هناك العديد من الأحزاب السياسية المعارضة، لكنها كانت دائما أشبه بالأحزاب الكرتونية التي تتواجد من أجل إكتمال المشهد فقط وتحسين صورة النظام.
الحزب الوطني × الإخوان المسلمين

لقد كان الوضع بالنسبةِ لي أشبه بمبارة كرة قدم وقد كنت وقتها أشجع الإخوان.

7 سبتمبر 2005
كان السابع من سبتمبر هو موعد الإنتخابات الرئاسية الجديدة التي وعد بها مبارك، فخرج علينا وقد خلع بدلته وأرتدي قميصه ـ النص كم ـ ليظهر في مظهر الشباب وهو الذي تجاوز الخامسة والسبعين من عمره!!
ولأول مرة شهدت الساحة السياسية ظهور شخصيات منافسة من أمثال أيمن نور، ونعمان جمعة – إنتخبوني وحاسبوني- وأيضا أحمد الصباحي، وهذا الأخير الحمدلله أنه لم ينجح "كان زمانا كلنا دلوقتي لابسين طرابيش" لكن الحمدلله الله سلم وفاز مبارك.

ديسمبر 2005
كانت المرة الأولي في حياتي التي أشهد فيها إنتخابات برلمانية، وبضغوط من المجتمع الدولي وخاصة الإدارة الأمريكية، فقد كانت المرة الأولي التي تتم فيها الإنتخابات تحت الإشراف القضائي.
بعد المرحلتين الأولي والثانية حصل الإخوان المسلمين علي 77 مقعدًا مما يعني إمتلاكهم ثلث المجلس إذا سارت الأمور كما هي عليه.
نجاح الإخوان بهذا الشكل لم يكن حبًا في "الجماعة" لكنه كان كرهًا في النظام.
في المرحلة الثالثة من الإنتخابات كشف النظام عن وجهه الحقيقي، فأغلق مئات من مراكز الإقتراع وخاصة الموجودة في الأقاليم والقري النائية المعروفة بإنحيازها لأي فصيل سياسي يقف في وجه الحزب الوطني، مما يعني أن 90% من الأصوات ستكون لصالح جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما رفضه النظام، لينتهي الأمر عند إستحواذ الحزب الوطني علي أكثر من 75% من مقاعد المجلس بعدما حول العديد من المستقلين إنتمائتهم السياسية إلي الحزب الحاكم الذي حصل علي أغلبية زائفة.

يونية 2010
 في إحدي ليالي شهر يونية الكئيبة فوجئت بأحد أصدقائي يشارك صورة لوجه يكاد يكون مشوه، ومحاط عن آخره بالدماء، وبقعة كبيرة من الدم ترتكز خلف رأسه، ظننت في بداية الأمر أنها صورة من تلك الحروب القديمة، أو حتي من قطاع غزة علي أقصي تقدي، لكن الصاعقة كانت عندما عرفت أنها صورة لشاب مصري مات في إحدي شوارع الإسكندرية بعدما تعرض للضرب، من قِبَل أحد ضباط النظام.
ضغطت علي إيقونة الصفحة التي كانت تحمل إسم "أنا إسمي خالد محمد سعيد" ثم قرأت وعرفت القصة كاملة.
بعدها بأيام قليلة عثرت علي صفحة آخري حملت إسم "كلنا خالد سعيد" كان عدد الأعضاء المشتركين فيها أقل من الأولي لكنها كانت تحمل نفس القضية.
ولأنني من أبناء الأقاليم فقد كان من الصعب المشاركة علي أرض الواقع والمساهمة بإيجابية ولذلك أخذت أتابع تطور الأحداث في صمت، ثم إنشغلت في حياتي الشخصية ونسيت الأمر .. نسيتهُ تمامًا وكأنه لم يحدث.

يناير 2016 

رغم حالة الغضب والإحباط التي تملكتني أثناء إسترجاع كل هذه الأحداث الماضية، وكم الجرائم التي حدثت طوال الخمس سنوات الفائتة، ورغم المساويء الحالية وما آل إليه الوضع، إلا أنني أقول شكرًا للثورة التي جعلتني إنسانًا.



 يحيي المصري

23 يناير 2016


رسالة ليو تولستوي الي زوجته صوفيا يوم رحيله

:
حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل، ولم تكن أمامي وسيلة سواه لتلافي مأساةٍ قد تكون مفجعة. لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي. لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني. وقد طال صبري على هذا! حتى انقطع رجائي في مزيد من الصبر. يقيني شر اليأس من عالمٍ تشهيّته كثيراً، كما يتشهاه كل عجوزٍ بلغ السن التي بلغت! وما أنشده هو عالمٌ من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك! أريد أن أقضي الأيام المتبقية لي من العمر في سلام. أرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن مكاني الذي سأذهب إليه، من أجل إعادتي إلى إيزيانا بوليانا، فإن هذا لن يفيد أحداً شيئاً، بل سيزيد تعاستنا جميعاً، كما أنه لن يغيّر من عزمي على الرحيل، وإني لأشكرك كل الشكر على الثمانية والأربعين عاماً من الحياة الأمينة الكريمة التي أسعدِتني بها. وأتوسل إليك أن تغفري لي كل ما ارتكبت من أخطاء في حقك. مثلما أغفر لك عن طيب خاطر غضبك ومعارضاتك الشديدة المتعلّقة بقراري في التنازل عن أملاكي الشخصية للفلاحين. وأنصحك يا حبيبتي بإخلاص بأن تحاولي التعايش في سماحة مع الموقف الجديد الذي سينشأ برحيلي. وألا تحملي لي بسببه في قلبك أية ضغينة، أو كراهية، وإذا أردت أن تعرفي شيئاً عن أنبائي بعد أن أستقرّ في المكان الذي سأرحل إليه، والذي لا أعرفه إلا بعد أن أصل إليه، فستجدين بغيتك عند ابنتنا العزيزة ساشا، فهي وحدها التي سأخصها بذكر مكان حياتي الجديدة، وقد وعدتني بألا تذكر لك أو لسواك مكاني..

الاثنين، 21 مارس 2016

الكِتاب



الكِتاب نِعمَ الذُخرُ والعُقدةُ هوَ، ونِعمَ الجليسُ والعُدَّة، ونعم النَشرةُ والنُّزهة، ونعم المُشتَغَلُ والحرفة، ونعم الأنيس لساعةِ الوحدة، ونعم المعرفةُ ببلادِ الغُربة ونعم القَرينُ والدَّخِيل، ونعم الوزيرُ والنزيل.

والكتاب وعاءٌ مُلِئَ علماً، وَظَرْفٌ حُشِي ظَرْفاً، وإناءٌ شُحِن مُزَاحاً وجِدّاً؛ إن شئت كان أعيا من باقِل، و إِنْ شئتَ كان أبيَنَ من سَحْبانِ وائل، وإن شئتَ ضَحِكْتَ مِنْ نوادِرِهِ، وإن شئتَ عَجِبتَ من غرائبِ فرائِده، وإن شئتَ ألهتْك طرائفُه، وإن شئتَ أشجَتْك مواعِظُه، وَمَنْ لَكَ بِوَاعِظٍ مُلْهٍ، وبزاجرٍ مُغرٍ، وبناسكٍ فاتِك، وبناطقٍ أخرسَ، وبباردِ حارّ.

- الجاحظ

السبت، 19 مارس 2016

في القبو

“أنا… رجل مريض… أنا إنسان خبيث. لست أملك شيئا مما يجذب أو يفتن. أحسب أنني أعاني مرضا في الكبد، على أنني لا أفهم من مرضي شيئا على الإطلاق ولا أعرف على وجه الدقة أين وجعي وأنا لا أداوي نفسي، ولا داويت نفسي في يوم من الأيام، رغم أنني أحترم الطب والأطباء. وأني من جهة أخرى أؤمن بالخرافات إلى أقصى حد، أو قولوا إنني أؤمن بها إلى الحد الذي يكفي لاحترام الطب (إنني أملك من الثقافة ما يكفي لأن لا أكون من المؤمنين بالخرافات، ولكني أؤمن بها مع ذلك). لا، لا! لئن كنت لا أداوي نفسي، أن مرد ذلك إلى خبث وشر! لا شك أنكم لا تتنازلون إلى حيث تفهمون هذا، ولكني أنا أفهمه”.
***

“لم أستطع أن أصبح أي شيء، لم أستطع أن أصبح حتى شريرا. ولا خبيثا ولا طيبا، ولا دنيئا ولا شريفا، لا بطلا، ولا حشرة، وأنا اليوم في هذا الركن الصغير، أختم حياتي، محاولا أن اواسي نفسي بعزاء لا طائل فيه، قائلا أن الرجل الذكي لا يفلح قط في أن يصبح شيئا، وأن الغبي وحده يصل إلى ذلك”.
***


“ماذا أقول؟ إن جميع الناس يفعلون ذلك. إن الناس يزدهون بأمراضهم؛ وأنا أزدهي بأمراضي أكثر من أي إنسان آخر، أعترف بذلك. على أنني مقتنع اقتناعا جازما بأن زيادة الوعي ليس وحدها مرضا، بل بإن كل وعي مرض”.
***
“أواه! ليتني لم أكن إلا كسولا! لشد ما كنت سأحترم نفسي عندئذ! لأنني كنت سأرى أنني قادر على أن أكون كسولا في أقل تقدير، أن تكون لي على الأقل ميزة محددة معينة أنا منها على يقين. سؤال: من أنت؟ جواب: كسول! ما كان أحلى أن أراني أُسمَّى هكذا! أنا إذن مُعرَّف تعريفا إيجابيا. أنا إذن يمكن أن أوصف بنعت، أن يقال عني شيء… (كسول) - هذا لقب، هذه وظيفة، هذه يا سادتي مهنة! لا تضحكوا! الأمر كذلك كان سيحق لي عندئذ أن أكون عضوا في أول نادي بالعالم، وكنت سأقضي وقتي كله في احترام نفسي”.
***
“غاية الغايات يا سادتي أن لا يفعل المرء شيئا البتة. إن القعود عن الفعل والخلود إلى التأمل مفضلان على أي شيء آخر. عاش القبو إذن! فرغم ما قلته منذ قليل من أنني أحسد الإنسان السوي الطبيعي أشد الحسد، فإنني حين أراه على ما هو عليه، أتنازل عن أن أكون إنسانا سويا طبيعيا (مع استمراري على حسده)”.

***



فيودور ديستويفسكي 
- في القبو

#قراءة #كتب

أي إحتمالات لدينا لنتخيل ملايين الموتى الآخرين الذين ضاعوا، أي إمكانية لدينا للاقتراب من الأحياء، ملايين الكائنات الحية الغامضة التي تعاني بجانبنا البعيد، بصمت، وربما هم يحلمون بشئ أفضل من هذا الذي يعيشونه، في هذه اللحظة بالذات؟
كيف نتواصل مع من لا يخلِّفون أثرًا وراءهم ؟
أهكذا تنتهي كل قصة ؟
— آريل دورفمان 

سيمون دي بوفوار

كففت عن أن أقيم مع أي كائن بشري أي تفاهم حقيقي!
لم يكن من بين أصدقائي من كان يتقبلني دون تحفظ، وما كان ينفّرهم مني هو ما عندي من عناد؛ رفضي لهذه الحياة العادية التي كانوا يُقرونها بصورة أو بأخرى، وجهودي العبثية للخروج منها. وحاولت أن ألتمس السبب “أنني لست كالآخرين"، رغم أني لم أقتنع، فإذا انفصلت عن الآخرين انقطع ما بيني وما بين العالم من صلة، وأصبح العالم مشهداً لا يعنيني.
لقد زهدت على التوالي بالمجد والسعادة وخدمة الناس، والآن لا أهتم حتى بأن أعيش، وكنت أفقد أحياناً حسّ الواقع، فلا تبدو الشوارع والسيارات والمارة في نظري إلا موكباً من المظاهر، كان وجودي بينها يرفرف بلا اسم.
وكان يناسبني أن أعتبر نفسي مجنونة، والحق أن المسافة لم تكن طويلة بين وحدة قاتلة كالتي أعيشها، وبين الجنون.. لقد كانت لي أسباب وجيهة في أن أضيع؛ إنني منذ عامين أتخبط في شركٍ لا أجد له مخرجاً.. وانتهى بي الأمر إلى الدوار. كنت أخدع خيبتي إذ أؤكد لنفسي أنني سأمتلك ذات يوم كل شيء، وأن ليس ثمة شيء يستحق أي اهتمام.
هكذا كنت أتخبط في هذه التناقضات وكنت على الأخص في صحةٍ جيدة وشباب طافح، وكانت هذه الحيوية التي لم أكن أفرغها تتسلسل في تيارات لا تُجدي، تملأ عقلي وقلبي.
— سيمون دي بوفوار 
ــــ إقتباس

الجمعة، 18 مارس 2016

البكاء بين يدي أمل دنقل




لا تحلموا بعالم سعيد 
فخلف كل قيصر يموت 
قيصر جديد
وخلف كل ثائر يموت
أحزان بلا جدوي، ودمعة سدي


لم يكن يدري أمل دنقل أن الغرفة التي حملته وحملت أيضًا الرقم 8 ستكون هي نفسها التي شهدت ميلاد ست قصائد كانت من أروع ما كتب طوال حياته، ولعله أيضًا لم يكن يدري بأن إقامته بالغرفة ذاتها ستظل لمدة عام ونصف كاملين.
للغرفة ملامحها الخاصة فقد حملت الجدران بعض الصورالملونة ولوحات الكاركاتير، وبطاقة من ياسر عرفات حملت بعض التمنيات بالشفاء.
بدأت الحكاية عندما ظهر ورم صغير في جسد أمل، وأخذ يتزايد يومًا بعد الآخر.. قال الطبيب بأنه "السرطان" ، لم يكن السرطان وحده هو الخوف الذي يواجه دنقل، لكنه الفقر والإحتياج إلي المال أيضًا، شكلا معًا جبهة قوية ربما جعلته وللمرة الأولي يشعر بحقيقة قسوة الفقر، وأن المرض هو الحالة الوحيدة التي تحول الفقير إلي بائس حين يواجه قدره عاجزًا.

تمتم أمل بالشهادة "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وهو علي أعتاب غرفة العمليات لتداعبه زوجته السيدة "عبلة الرويني"

= لقد أمسكتُ بكَ متلبسًا بالإيمان.

ليبتسم دنقل في هدوء مرددًا في همس خافت:

= أخشي ألا يؤثر فيَّ البنج.







مارس 1980

بعد خمسة أشهر من الجراحة ظهر ورم سرطاني آخر رغم تأكيدات الطبيب سابقًا علي خلو جسد أمل من الخلايا السرطانية، كان ذلك يعني ببساطة أن دنقل سيعيش ما تبقي من حياته وجهًا لوجه مع البؤس والمرض والألم.
لأسابيع كثيرة ولشهور ظلت حقنة الجلوكوز وأجهزة الأشعة ومصل الدواء وأصوات المرضي وصرخاهم، والأجساد التي تسقط كل يوم أمام عيني أمل حتي صارت الجثث والموت جزءًا عاديًا وأصبح طريق الموت هو الطريق الوحيد للحياة والإتصال بالعالم.
لكن دنقل الشاعر يرفض الإستسلام للموت حيًا فيتسلل في منتصف الليل من غرفته ويمارس عشقه لشوارع القاهرة وحواريها.

عدة شهور مضت دون أن يتذكر وزير الثقافة المصري "عبدالحميد رضوان" أن شاعر مصر الأول - في ذلك الوقت – يرقد فوق سرير حديدي بإحدي غرف معهد السرطان دون أن ينال أي إهتمام من الجهات الحكومية، ليتذكر في النهاية رئيس الوزراء فؤاد محي الدين ويصدر قرارًا إستثنائيًا بضرورة علاج أمل علي نفقة الدولة، لكن الوقت كان قد تأخر .. تأخر كثيرًا.
تحول أمل من شاعر إلي مريض في ذهن أجهزة الدولة والإعلام وحتي المثقفين، فأصبحت تتزايد باقات الزهور وأصبح أمل يزداد كآبة وإختناق ومع كل باقة زهر يكتب:
وسلال من الورد
ألمحها
بين إغماءة وإفاقة
وعلي كل باقة
إسم حاملها في بطاقة
مع الوقت أخذت الأدوية المسممة تأخذ طريقها في جسد أمل حتي تشقق جلده، وأصيب بالجروح، وبدأت أجهزته تتوقف، وبعد أسبوع واحد فقط كان قد إنهار كل في جسده، وكانت النهاية في 21 مايو 1983

مهرجان حافظ وشوقي
 كان حافظ وشوقي هو آخر لقاء شعري ألقي فيه أمل قصائده، وقد أقامته وزارة الثقافة بمناسبة مرور خمسين عامًا علي وفاتهما.
تردد أمل كثيرًا قبل الذهاب، فقد كانت حالته الصحية متدهورة، حيث تساقط شعر رأسه وأسنانه كما أنه أصبح لا يقوي علي السير إلا بصعوبة، وفي حالة ظهوره أمام الناس بهذه الصورة فإن الأمر سيتحول إلي شفقة وهو الشيء الذي كان يكرهه أمل .. قال لن أذهب!! .. لكنه ذهب وكان أجمل الحاضرين.
في المسرح حاول البعض مساعدته للصعود نحو المنصة لكنه رفضهم بقسوة، وصعد وحده ثم ألقي قصيدته لا تصالح ..!

لا تصالح
ولو منحوك الذهب
أتري حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل تري ..؟
هي أشياء لا تُشتري

عزيزي "أمل دنقل" هل يكفي أن نبكي بين يدي شِعرك، أم أنه لا وقت للبكاء، فقد سقطت الثورة التي يومًا حَلِمتُ بها وإحتل العسكر البشر والأرض والشجر والقلوب، والقناص يقف من فوقنا يطالبنا بمزيد من الإنحناء، فهل ننتصر؟ أم أنه "لو لم يكن هذا الجدار، ما عرفنا قيمة الضوء".

السبت، 12 مارس 2016

البريق المفقود

يوسف إدريس في إحدي قصصه التي كانت بعنوان "رمضان" يحكي قصة طفل عنده 10 سنين، ظل لمدة ثلاث سنوات يحاول إقناع والده بأن يتركه يصوم شهر رمضان، وبعد عدة محاولات خافقة لإقناعه، قال له والده "لا صيام لمن لا يصلي" فقرر الطفل أن يصلي، لكنه عندما شرع في الصلاة إنهالت عليه عدة مشاكل لم يكن يتوقعها، فأبوه لا يعترف بوضوئه ويشك في طهارته، وعندما حاول الصلاة في الجامع لاقي الأمرين، فالرجال الكبار يهزأون به، وعندما يقف في الصف الأول يدفعوه إلي الصف الثاني ومن الثاني إلي الثالث والرابع، حتي يجد نفسه وسط الأطفال الذين يُصلون مطرودين، منبذين.
في الحقيقة عبقرية يوسف إدريس تتجلي في تقديم الدافع الساذج، أو المبرر البسيط الذي يتناسب مع عقلية طفل في العاشرة من عمره وهو التشبث بالصوم من أجل حضور السحور مع أبويه!!
ينتظر الطفل ساعة السحور بشغف وحب، ولكن الغريب أنه عندما أتيحت له الفرصة وحضر السحور لم يجد له ذلك البريق الذي أحرق خياله أيامًا وليالي.
هكذا ببساطة..! كم من الأشياء التي ننتظرها بشغف وعندما تأتي لا نجد لها ذلك البريق الذي أحرق خيالنا ذات يوم.

اعلان

status-حالة

هذا الفضاء الإلكتروني أصبح مزعج جدًا لم أكره في حياتي كلها شيء أكثر من ذلك الذي ينظر إلى الإنسان وكأنه لا وجود له، أو وكأنه جزءًا من جما...