إعلان

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

عزازيل وهيباتـــيا في ملـــــكوت يوسف زيدان

أشتريتها منذ أكثر من عام ، إلا أن فرحتي بها لم تدم طويلا ، فقبل أن أشرع في قرائتها ، جائني عليها صديقي أحمد ، والحق أنني علي الرغم من حزني علي فراقها إلا أنني أعطيته إياها بصدر رحب ، فهو الذي يعني لي الكثير والكثير ، وإلا فأي دافع ذلك الذي يدفعني إلي أن أعطيه كتابا ، وأنا الذي أؤمن بأن الكتب من المحرمات التي لا تعطي لأحد ، قد تهدي ، لكنها لا تعطي ، ويا ليتني ما فعلت ، لم أكن أعلم بما سألاقيه من آلم وحسرة ، فقد بات صديقي يتحجج بالحجج الخائبة والأعذار المعتادة ، حتي بلغ اليأس مني منتهاه ، ونويت في نفسي أن أبتاع نسخة جديدة ، وأوكل أمري إلي الله ، وعلي الرغم من نيتي هذه إلا أنني كنت أذكره بين الحين والآخر وأعنفه في أحيان أخري ، إلي أن فاجئني بها ذات يوم......لا أريد أن أبالغ في حديثي عن فرحتي ، لكنني أحتضنتها بالفعل وهو يشهد علي ذلك ، أعطاني أياها وعاهدني أن أعيدها له بعد أن أتم قرائتها ، وها أنا ذا أكتب هذه الكلمات وألقي عليها النظرة الأخيرة ، بل الوداع الأخير ، ولعل ذلك الوداع هو الذي شجعني علي أن أكتب بعض النقاط أو الملاحظات.....يا إلهي لقد أنهيت صفحة كاملة في أشياء قد لا تنفع القارئ في شئ. في البداية يدعي الكاتب أن الرواية عبارة عن مجموعة من الكتابات المكتوبة باللغة السريانية القديمة فوق عدد من الرقوق والتي تم إكتشافها بالخرائب الأثرية الحافلة والتي تقع في جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية ، وهذا بكل تأكيد من وحي خيال الكاتب ، ويظهر ذلك بوضوح في مقدمة الرواية ، حينما أكد الكاتب علي أن المصادر التاريخية القديمة والحديثة قد خلت من أي ذكر للراهب هيبا وذلك علي الرغم من صحة الوقائع التاريخية التي أوردها الكاتب بالرواية ، أضف إلي ذلك صحة كل الشخصيات الكنسية التي ذكرت في كتاباته ، بالإضافة إلي أسلوب الكاتب ومخيلته التي أعرفها جيدا.......فهذه ليست هي الرواية الأولي التي أقرأها له. في الرق الأول من الرواية يظهر الراهب هيبا وهو يقدم مناجاته وإبتهالاته لربه ، يحوطه إلحاح عزازيل والذي هو الكامن في أنفسنا. ويظهر هيبا الراهب الإنسان الحائر في الأرض ، يعاني صراعا نفسيا ويعيش في زمن كثر فيه التعصب الديني والصراعات الكنسية ، لكنه يحاول دائما البحث عن الحقيقة والإبحار في عالم الشكوك ومواجهتها بالحجج المنطقية وقد ظهر ذلك بوضوح في أكثر من موضع ، مثلا حينما قال وهو يتسائل في نفسه (المسيح مولود من بشر والبشر لا يلد آلهه) وأيضا (لم تكن هناك مسامير صدئة تتوهج في الظلمة -يقصد المسامير التي صلب بها المسيح - ولم أجد هناك أي شئ غير الظلام المكدس فوق الظلام) .وكثير من أمثال هذه الكلمات التي تدل علي أنها كان يحاول إعمال عقله وسط أناس لا يحاولون مجرد التفكير في النصوص التي يرددونها. إذا فقد أتضح هنا المغزي الرئيسي من الرواية وهو مناقشة التعصب والجمود الذي سيطر علي عقول الناس في تلك الحقبة الزمنية ، وليس ذلك فحسب بل أنه وصل إلي ما هو أبعد من ذلك ، وهو تفاعل البشر مع الإجتهادات الفكرية وخاصة الدينية منها.




وقد تجلت هذه الفكرة بوضوح في هيباتيا الفيلسوفة ، شهيدة الفكر الإنساني ، والتي مزقت روحي وأنا أقرأ تفاصيل موتتها البشعة . كانت هيباتيا رمزا للأنثي الناضجة المتفتحة عقلا وعلما وروحا ، لكنها لم تأخذ حقها في الرواية بل أخذت قلبي ثم جاءت نهايتها سريعة مباغتة. وإذا ذهبنا إلي عقل متفتح آخر فهو بكل تأكيد الأسقف نسطور ، فيظهر نسطور علي درجة عالية من الفكر والعلم والخلق ، ولأنه أعمل عقله ، فقد رفضته الغالبية المسيحية وعاني طوال حياته بل وبعد موته أيضا. وتقيمي للرواية يتأرجح من ثلاثة إلي أربع نجمات ، كان من الممكن أن تأخذ أكثر من ذلك ، لولا أنني توقفت عن القراءة يومان حين بدأ مستواها الأخلاقي يسقط شيئا فشيئا ، وبالتحديد حينما دخلت أوكتافيا في حياة هيبا ، ولم تكن أوكتافيا هي الصدمة بل كانت كمية الفواحش والإباحية التي وصلت إلي حوالي ستين صفحة ، تعتبر جريمة في حق الأدب الراقي الهادف وإهانة له. كنت أتمني أن تكون هذه المساحة الواسعة التي نالتها أوكتافيا من نصيب هيباتيا التي أزاحت عن نفسي تلك التجاوزات الأخلاقية. ويأخذ علي الكاتب أنه لم يلمح ولو من بعيد عن أهمية الدين في حياة الإنسان ، فقد بات يدعو إلي الإنسانية والتراحم ونبذ التعصب والتطرف حتي ظننت أنه يدعو إلي اللادين ، كما أن يوسف زيدان الفيلسوف قد طغي علي هيبا الراهب في كثير من الأحيان فنجده مثلا يقول علي لسان هيبا (في لحظة ما أدركت أنني لا أعرفني) (إن ما مضي من عمري لم يعد موجودا) كان ذلك يشعرني بإنفصال في شخصية الكاتب وشخصية هيبا الراهب ، ماعدا ذلك فالرواية بصفة عامة مكتوبة بدقة وإتقان وأشعر بأنها ستكون نقلة لي......لا في الجانب الديني والأخلاقي ، بل في التضارب الرهيب بين المشاعر والأفكار والرغبات الإنسانية الطبيعية والواقع المقيد في كل أيامي وسنواتي الماضية.....وأخيرا أقتبس من هيبا الإنسان..... أنا آخر غير هذا الذي كان.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان

status-حالة

هذا الفضاء الإلكتروني أصبح مزعج جدًا لم أكره في حياتي كلها شيء أكثر من ذلك الذي ينظر إلى الإنسان وكأنه لا وجود له، أو وكأنه جزءًا من جما...