إعلان

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

منافي الرب .. قوة اللغة وإبداع السرد وخرقة النهاية

#نداءات_الجسد_وإبتهالات_الروح 

#قوة_اللغة_وإبداع_السرد_وخرقة_النهاية

رجل عجوز تجاوز عمره المئة عام، ينام فوق مصطبة صخرية، تداهمه الرؤيا، فيري فيما يري النائم، أنا رجلا يناديه بصوت جهوري عميق:-

"يا حجيزي أكلت آخر ثلاث تمرات من زادك، يبقي لك من الأيام ثلاثة وتموت"

يصحو العجوز من نومه ثم يعتدل ببطء وحذر بينما عيناه تلمع بما رأي في منامه، وقلبه يدق بعنف، وقدماه تبحث عن نعلها، فينجح أخيرا وينتعل حذائه ثم ينهض وتبدأ الحكايات.


للوهلة الأولي تبدو لك الرواية مثيرة وغامضة، تعرف من بدايتها أنها تتناول أكبر الأسرار وأعظمها في تاريخ البشرية "الموت".
يبدأ الكاتب في سرد الأحداث بلغة قوية ومتماسكة، تأخذك من العالم المحيط بك إلي حيث الصحراء وحياتها القاسية، فتعرف أن الجهد والبحث الذي بذل في كتابة الرواية ليس بالجهد الهين ولا البحث الضئيل، يتجلي ذلك في وصف الحياة العامة وإستخدام الألفاظ والكلمات التي ترتبط بحياة البادية، كإستخدام كلمة "ووي ووي" كلفظ بدوي تستخدم نساء البادية في حالة المفاجأة أو الإندهاش.
عندما تنهي قراءة الأربعين صفحة الأولي تجد نفسك -رغما عنك- قد أحببت "حجيزي" بطل الرواية العجوز الذي قضي حياته يبحث في ماهية الموت، يكره أن يدفن الناس موتاهم، فتجده طوال أحداث الرواية يكرر:-

"لماذا يدفن الناس أعز الناس يا بكير؟"

من هنا تجلت روح الخمايسي وقدرته الإبداعية التي إستطاعت رسم شخصية البطل ونقلها للقارئ كما أراد لها أن تكون وبل أكثر.
يظل الكاتب ثابتا علي نفس القوة التي بدأت بها الرواية وشيئا فشيئا يبدأ بسلاسة في طرح الأسلئة الوجودية المتعلقة بالموت وما يعقبه من إقصاء ودفن، فتراه يقول:-

"نصنع هذه الحياة بأنفسنا ثم لما يموت الواحد منا يعزلونه بعيدا"

هنا نجح الخمايسي بشكل أكثر من رائع في أن يدمج ما بين قوة المشهد وقوة العبارة ومدي عمقها، والتي تشعرك بمدي المرارة والآسي الذي يستشعره حجيزي التائه الحائر الذي يتسائل ببراءة لا تناسب كهولته! فيقول:-

"لماذا عندما أموت يريدون إقصائي بعيدا؟ من الذي علم الإنسان كل هذه
القسوة؟ من الذي أوحي إليه بدفن أعز الناس إذا ماتوا؟ "

كلمات متفرقة وأسئلة متعددة يطرحها الخمايسي وسط مشاهد غارقة بالتفاصيل، ربما تعيد قراءة الرواية كاملة من أجل إستعادة مشهد واحد فقط، وإن لم تفعل فأنك ولا شك ستعيد قراءتها من أجل الغوص أكثر في بحور هذه الأسئلة التي ظلت بلا إجابات.

أعيب علي الكاتب الإفراط في المشاهد الجنسية، ولا نتحدث هنا عن الجنس في ذاته، الجنس ربما كان أساسيا داخل أي عمل روائي، لكننا هنا نتحدث عن الإسهاب والإفراط، فتجد صبحي من سيرين، وسعدون مع زليخة، وغنيمة مع جالة، والمعلم نظير مع أم سيرين، ثم سعدون مرة آخري مع بثينة وسليم مع سكيرة، حتي سريرة العجوز كادت أن تمارسه هي الآخري لولا ضعف جسدها وإنطفاء شهوة حجيزي، وكأن الكاتب يريد أن يصل بذهن القارئ إلي أن كل الحب جنس والجنس هو الحياة، بدت لي سطحية وهزلية مستهلكة.

أيضا لم ينجح الكاتب في تصوير بعض المشاهد فبدت عبثية أكثر من اللازم، فمثلا مشهد الحريق الذي طال بيت سعدون، نري سعدون نائما فوق شوال الغلة في غرفة الخزين وبيته يحترق بالخارج والناس يسكبون الرمال فوق ألسنة اللهب ويصرخون وزوجته وإبنه تحرقهما النار بالداخل وهو أيضا مارال غارقا في النوم يحلم بالكوابيس داخل غرفة الخزين، الغرفة الوحيدة التي لم تصل إليها النيران رغم أن البيت كله قد أحترق!!

لكن أكثر ما إستعجبت لأمره كان في إختزال الكاتب للرهبنة بشكل ضيق وغير منصف، فصور الرهبان علي أنهم أناس هاربين من حياتهم أتوا إلي الجبال منتظرين الموت بعدما ضاقت عليهم الدنيا، بل أن الكاتب وصل به الحد إلي تشبيههم بالبهائم، فعبر عن ذلك بعبارة قاسية عندما قال:-

"الراهب برسوم عاش مثل هذه المخلوقات البهيمية، هائما في مملكتها القاحلة يعيش في المنافي يعد أيامه منتظرا الموت"

وكما أشدنا من قبل بجهد الكاتب في البحث حول حياة البادية، نقول هنا أنه
لم يجهد نفسه في البحث حول حقيقة الرهبنة، ولو أنه بحث لأدرك.

نهاية الرواية أيضا جاءت ضعيفة وحصرها الكاتب في أقل من مئة صفحة، فجاءت الإجابات سطحية وظاهرة ولم يستخدم الكاتب كامل إبداعه الذي تدفق بكل قوة في طرح الأسئلة، وكأن كاتب النهاية هو كاتب آخر غير الذي أدهشنا بأفكار وأسئلة شغلت بال الإنسانية طوال تاريخها.

ونستطيع هنا أن نري الكاتب وقد أجاب علي كل أسئلة الرواية في مشهدين أساسيين، فالأول عندما ظهر المسيح لحجيزي، والثاني عندما ظهر ما سماه الكاتب بالمعزي.
فأما الأول فنراه يظهر فوق جبل الرهبان في صورة شاب جميل ووسيم وصوته رقيق يمس القلب ....الخ ثم يسرد إجابات من نوعية "النصاري بشر، والمسلمون بشر" جميعنا يعلم أن المسلمون بشر والنصاري بشر ولا تندهش وأنا أقول أن اليهود والملحدين وعباد البقر هم أيضا بشر، أي والله بشر.
ثم يبهرنا المسيح المتخيل فيقول:

"الحياة يا حجيزي ليست أن تعيش، أولاد الأفاعي يملأون الأرض"

وكأن حجيزي لا يعرف ذلك ومن ثم يقتنع ويرتضي الدفن! هذه السهولة لا تتناسب إطلاقا مع شخصية حجيزي العنيد الذي كان طوال الرواية لا يرتضي بالقليل، فكيف أرتضي في هذه المرة؟!

وأما "المعزي" فقد ظهر فوق فرسه، تحيط بخصره امرأة فاتنة، تضع رأسها فوق كتفيه، والعجوز حجيزي متمدد فوق غصن شجرة البرتقال، يستمع إلي كلمات المعزي الذي يقول:-

"يا حجيزي لا مكان للموتي بين الأحياء"

وكأن حجيزي لا يعرف هذا الإكتشاف العظيم، فيستمر المعزي في توجيه الحديث:-

"هذه أسيرتي أسرتها بالحب" ولأول مرة هنا نجد حجيزي يلعب دور الأبله ببراعة فيسأل ببلاهة "تحبها كل هذا الحب؟"

بلاهة لا تليق بعم حجيزي الذي دارت في ذهنه كل هذه الأسئلة الفلسفية!!
ثم يأتي ما زاد الطين بله، عندما يقول المعزي:-

"أنا أعلم باليوم الذي سيوحي فيه بقصتك إلي قلب كاتب ملهم" ليصرخ حجيزي من بعدها "يا بكير يا ولد أحفر لي قبرا" ثم تهوي جثة حجيزي من فوق الغصن وتتجه نحو قبرها.

حجيزي العجوز الذي عاش حياته كلها في الصحراء من الذي أدراه بالكاتب الملهم وسفر الخلود وذاكرة الحياة؟

حجيزي رجل عجوز لا يريد لجسده أن يتعفن أو يأكله الدود، يريد الحياة علي الأرض التي صنعها بيديه، يكره الوحشة والوحدة، فلا يريد القبر بل يود لو يبقي جسده محنطا بين أهله وأحبته فلا يفارقهم ولا يفارقوه .... حجيزي عز عليه فراق الأحبة فظل يبحث عن سبيل للخلود قضي فيه حياته كلها، مئة عام أو يزيد ضيعها في البحث وراء بوابة الموت .. لكن القبر قد إبتلعه في النهاية.

يحيي الـمصري

5/3/2015



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان

status-حالة

هذا الفضاء الإلكتروني أصبح مزعج جدًا لم أكره في حياتي كلها شيء أكثر من ذلك الذي ينظر إلى الإنسان وكأنه لا وجود له، أو وكأنه جزءًا من جما...