إعلان

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

عم فرحات.. أنا آسف الحياة بائسة جداً وشنيعة.

ربع ساعة هي المسافة الزمنية التي تفصلني بين مسكني ومبني الجامعة، وغالبا ما أقضي هذه المسافة في تاكسي أو ميكروباص في أوقات آخري، وخلال هذه الدقائق القصيرة كثيرا ما تربطني صداقات عابرة وعلاقات من نوع خاص .. وربما كانت هذه اللحظات هي التي تقودنا إلي شتي نواحي الإبداع وخاصة الكتابة .. لكنها أيضا في أوقات كثيرة تكون هي نفسها سبباً في إدراك جراحنا العميقة وأحزاننا المتكررة .. هذا ما حدث مع "عم فرحات".


 كنت أقف علي الناحية اليسري من الشارع المطل علي منفذ صغير لبيع الزهور، ومن خلفي كان هناك مقهي متواضع يجلس عليه مجموعة من الشبان وعجوزان يلعبان النرد، تخطي عمرهما حاجز الستين عاماً. 


لحظات مرت وأنا أقف مترددا ..! هل أستقل التاكسي هذه المرة أم الميكروباص؟ موعد المحاضرة قد فاتني منذ عشر دقائق، والشارع مزدحم ولم يعد هناك وقت! ما الحل؟ تاكسي أسود قديم ومتهالك قطع فترة ترددي، وشجعني ذو العينين العسليتين علي أن ألوح له بيدي.. توقف التاكسي.. ثم رَكبتُ. كان السائق رجلا يبدو أنه قد تخطي الخمسين من العمر، له ملامح حزينة وجه شاحب رغم تلك الإبتسامة التي إستقبلني بها، وله عينان عسليتان وشعر أبيض خفيف وناعم قد ظهر في رأسه وبين شعيرات لحيته المهذبة.


 الجامعة يأسطي بسرعة الله يخليك.  – 


= حاضر.. الظاهر عليك مستعجل.. !

-   آه شوية  

بإبتسامة مصطنعة أجبت ثم أخذت أفتش في حقيبتي السوداء، دائما ما أدخر فيها شيئاً من الكتب، وغالبا ما يكون شعر أو رواية، هذه المرة كانت "عهد الشيطان" مجموعة قصصية لتوفيق الحكيم، أخرجتها ثم بدأت اقرأ، بينما ينبعث صوت أم كلثوم من السماعات الخارجية "وسيبني أحلم .. سيبني"


 = بتقرأ في إيه؟ 

باغتني صوت السائق، يبدو أنه رأي إنعكاس صورتي في المرآة، وعندما شعر بإندماجي أراد أن يفسد عليَّ اللحظة!


 ــ دي عهد الشيطان مجموعة قصصية لتوفيق الحكيم ما إن نطقت حرف الميم الأخير حتي سمعت قهقهه عالية تخرج من أعماق صدره، ورغم ذلك فقد كانت ضحكته صافية، ربما لا تليق بعمر رجل في الخمسين من عمره. 


-قريتها وأنا في نفس عمرك تقريبا -قال السائق- ثم أردف حتي بأمارة فوست عبد الشيطان.

 =ــ غريبة بس أنا أعرف أن موضوع القراية ده خصوصاً زمان كان صعب جداً، وأعذرني في الكلام، إيه اللي يخلي واحد زيك بيقرأ حاجات زي كدة وفي نفس الوقت يوصل للمستوي ده؟ 

- أكل العيش يأبني..! اللي قدامك ده واخد مركز أول إلقاء الشعر علي مستوي مراغة قبلي تلات مرات، لسه لحد دلوقتي بترن في ودني صوت الأستاذ فراج مدرس العربي وهو بيعلن إسم الفايز "فرحات عبداللاه السيد فرغلي" ياااه كانت أيام .. اقرأ اقرأ بكرة تسيب الكتب وتعمل زيي وتشوف أكل عيشك.


 كانت كلماته صادمة وكنت أعرف أن الكلام في مثل هذه اللحظات لن يفيد .. لذلك سَكَتُ "ياريت زماني ميصحنيش .. وسيبني أحلم .. سيبني ..  " 


كان ذلك صوت أم كلثوم الذي قد إختفي طوال فترة الحديث، لكنه عاد يصدح من جديد.


 الأن أكاد أري بأم عيني حياة عم فرحات وكأن أحداثها قد جرت أمامي، شاب كان يحب القراءة والشعر لكن الحياة أتعبتهُ وحمَلتهُ جراحات عميقة وهزائم متكررة ولذلك فقد قرر أن يعيش كما الناس.

 = إيه مش هتنزل؟ 


أرجفني عم فرحات بصوته المتهدج.


-معلش مأخدش بالي.

أخرجت من جيبي سبعة جنيهات فضية، ناولتها إياه ثم ودعته بإبتسامة هادئة ومضيت، بينما صوت أم كلثوم أخذ يخفت شيئا فشيئا حتي إختفي..! 

علي البوابة وقفت أمام أفراد الأمن، أخرجت الكارنية وخَضَعتُ للتفتيش، ثم توهت في زحام الجامعة.



"بكرة تسيب الكتب وتبقي زيي"



كانت عبارة عم فرحات مازال صداها يتردد في أذني، بينما شيئا يصرخ بداخلي دون توقف "الحياة بائسة جدا وشنيعة".



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان

status-حالة

هذا الفضاء الإلكتروني أصبح مزعج جدًا لم أكره في حياتي كلها شيء أكثر من ذلك الذي ينظر إلى الإنسان وكأنه لا وجود له، أو وكأنه جزءًا من جما...