إعلان

الجمعة، 18 مارس 2016

البكاء بين يدي أمل دنقل




لا تحلموا بعالم سعيد 
فخلف كل قيصر يموت 
قيصر جديد
وخلف كل ثائر يموت
أحزان بلا جدوي، ودمعة سدي


لم يكن يدري أمل دنقل أن الغرفة التي حملته وحملت أيضًا الرقم 8 ستكون هي نفسها التي شهدت ميلاد ست قصائد كانت من أروع ما كتب طوال حياته، ولعله أيضًا لم يكن يدري بأن إقامته بالغرفة ذاتها ستظل لمدة عام ونصف كاملين.
للغرفة ملامحها الخاصة فقد حملت الجدران بعض الصورالملونة ولوحات الكاركاتير، وبطاقة من ياسر عرفات حملت بعض التمنيات بالشفاء.
بدأت الحكاية عندما ظهر ورم صغير في جسد أمل، وأخذ يتزايد يومًا بعد الآخر.. قال الطبيب بأنه "السرطان" ، لم يكن السرطان وحده هو الخوف الذي يواجه دنقل، لكنه الفقر والإحتياج إلي المال أيضًا، شكلا معًا جبهة قوية ربما جعلته وللمرة الأولي يشعر بحقيقة قسوة الفقر، وأن المرض هو الحالة الوحيدة التي تحول الفقير إلي بائس حين يواجه قدره عاجزًا.

تمتم أمل بالشهادة "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وهو علي أعتاب غرفة العمليات لتداعبه زوجته السيدة "عبلة الرويني"

= لقد أمسكتُ بكَ متلبسًا بالإيمان.

ليبتسم دنقل في هدوء مرددًا في همس خافت:

= أخشي ألا يؤثر فيَّ البنج.







مارس 1980

بعد خمسة أشهر من الجراحة ظهر ورم سرطاني آخر رغم تأكيدات الطبيب سابقًا علي خلو جسد أمل من الخلايا السرطانية، كان ذلك يعني ببساطة أن دنقل سيعيش ما تبقي من حياته وجهًا لوجه مع البؤس والمرض والألم.
لأسابيع كثيرة ولشهور ظلت حقنة الجلوكوز وأجهزة الأشعة ومصل الدواء وأصوات المرضي وصرخاهم، والأجساد التي تسقط كل يوم أمام عيني أمل حتي صارت الجثث والموت جزءًا عاديًا وأصبح طريق الموت هو الطريق الوحيد للحياة والإتصال بالعالم.
لكن دنقل الشاعر يرفض الإستسلام للموت حيًا فيتسلل في منتصف الليل من غرفته ويمارس عشقه لشوارع القاهرة وحواريها.

عدة شهور مضت دون أن يتذكر وزير الثقافة المصري "عبدالحميد رضوان" أن شاعر مصر الأول - في ذلك الوقت – يرقد فوق سرير حديدي بإحدي غرف معهد السرطان دون أن ينال أي إهتمام من الجهات الحكومية، ليتذكر في النهاية رئيس الوزراء فؤاد محي الدين ويصدر قرارًا إستثنائيًا بضرورة علاج أمل علي نفقة الدولة، لكن الوقت كان قد تأخر .. تأخر كثيرًا.
تحول أمل من شاعر إلي مريض في ذهن أجهزة الدولة والإعلام وحتي المثقفين، فأصبحت تتزايد باقات الزهور وأصبح أمل يزداد كآبة وإختناق ومع كل باقة زهر يكتب:
وسلال من الورد
ألمحها
بين إغماءة وإفاقة
وعلي كل باقة
إسم حاملها في بطاقة
مع الوقت أخذت الأدوية المسممة تأخذ طريقها في جسد أمل حتي تشقق جلده، وأصيب بالجروح، وبدأت أجهزته تتوقف، وبعد أسبوع واحد فقط كان قد إنهار كل في جسده، وكانت النهاية في 21 مايو 1983

مهرجان حافظ وشوقي
 كان حافظ وشوقي هو آخر لقاء شعري ألقي فيه أمل قصائده، وقد أقامته وزارة الثقافة بمناسبة مرور خمسين عامًا علي وفاتهما.
تردد أمل كثيرًا قبل الذهاب، فقد كانت حالته الصحية متدهورة، حيث تساقط شعر رأسه وأسنانه كما أنه أصبح لا يقوي علي السير إلا بصعوبة، وفي حالة ظهوره أمام الناس بهذه الصورة فإن الأمر سيتحول إلي شفقة وهو الشيء الذي كان يكرهه أمل .. قال لن أذهب!! .. لكنه ذهب وكان أجمل الحاضرين.
في المسرح حاول البعض مساعدته للصعود نحو المنصة لكنه رفضهم بقسوة، وصعد وحده ثم ألقي قصيدته لا تصالح ..!

لا تصالح
ولو منحوك الذهب
أتري حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل تري ..؟
هي أشياء لا تُشتري

عزيزي "أمل دنقل" هل يكفي أن نبكي بين يدي شِعرك، أم أنه لا وقت للبكاء، فقد سقطت الثورة التي يومًا حَلِمتُ بها وإحتل العسكر البشر والأرض والشجر والقلوب، والقناص يقف من فوقنا يطالبنا بمزيد من الإنحناء، فهل ننتصر؟ أم أنه "لو لم يكن هذا الجدار، ما عرفنا قيمة الضوء".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان

status-حالة

هذا الفضاء الإلكتروني أصبح مزعج جدًا لم أكره في حياتي كلها شيء أكثر من ذلك الذي ينظر إلى الإنسان وكأنه لا وجود له، أو وكأنه جزءًا من جما...